التحول الرقمي في الوزارات- تحديات الفروع وتمكين الموظفين

المؤلف: عبداللطيف الضويحي08.30.2025
التحول الرقمي في الوزارات- تحديات الفروع وتمكين الموظفين

لا يمكنني الجزم بأن التحولات الرقمية قد طالت جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية بنفس القدر من الشمولية والنوعية، أو بالمدة الزمنية ذاتها، أو حتى بنفس الوتيرة المتسارعة. كما أنني لا أمتلك المعرفة الكافية لتحديد ما إذا كانت الفروع التابعة للوزارات تسير على نفس المسار وبنفس المستوى من التطور الرقمي الذي تتبناه الوزارة الأم، أم أنها تعيش حالة من التخبط والضياع، تمامًا كمن يحاول الجمع بين سرعتين مختلفتين.

ومن المثير للدهشة أن التجارب الواقعية تكشف عن تفاوت كبير في سرعة إنجاز الخدمات بين الوزارة الأم وفروعها. ففي حين أن بعض المعاملات قد تستغرق يومين أو أسبوعًا في الوزارة، فإنها قد تمتد لعدة أشهر بين مكاتب الموظفين في الفروع. ورغم أنني لا أود التعميم، ولا يجوز ذلك، إلا أن الواقع يشير إلى أن التحول الرقمي قد تسبب في حالة من الشلل شبه التام في بعض الفروع، وذلك على الرغم من توافر الكفاءات البشرية المؤهلة والمدربة.

ولا تزال بعض فروع الوزارات تعاني من الارتباك في كيفية المواءمة بين الخدمات الرقمية والخدمات التقليدية، وكيفية التكامل بينهما. فالعديد من الموظفين العاملين في الفروع بحاجة ماسة إلى برامج تدريبية مكثفة لتمكينهم رقميًا وتدريبهم على الهيكل التنظيمي الإداري الجديد الذي خلفه زلزال التحول الرقمي. وقد يعاني البعض الآخر من مشكلة عدم تفويض الصلاحيات الرقمية من قبل رؤسائهم والمسؤولين الرقميين، مما يعيق قدرتهم على الوصول إلى المنصات الرقمية التابعة لوزاراتهم.

الإشكالية الأخرى تكمن في أن هؤلاء الموظفين قد يُطلب منهم التوقف عن التعامل اليدوي والورقي مع الجمهور، وهي الطريقة التي اعتادوا عليها وأتقنوها. وهذا يضع الموظف في حيرة وارتباك أمام الجمهور الذي يحضر إلى الفروع لإنجاز معاملاته. وقد يكون هذا هو التفسير المنطقي لـ "غياب" أو "اختفاء" العديد من العاملين في الفروع عن مكاتبهم، حتى لا يقعوا في موقف محرج أمام المراجعين الذين لا يفهمون هذه الإشكالية والمأزق الذي يجد فيه موظفو الفروع أنفسهم، بين ما يملكون من قدرات وما لا يملكون من صلاحيات. وهناك بُعدٌ آخر للمشكلة يتمثل في أن هؤلاء الموظفين قد يخشون مصارحة رؤسائهم ومسؤوليهم في الفروع أو في الوزارة، خوفًا من أن يتم تسريحهم والاستغناء عنهم واستبدالهم بموظفين آخرين.

أعتقد جازمًا أن الوزارات والمؤسسات المركزية مطالبة بالوقوف على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الموظفون المتضررون من التحول الرقمي، سواء في الوزارات الأم أو في الفروع التابعة لها.

فالعديد من الإجراءات والعمليات قد تغيرت بشكل جذري نتيجة للتحول الرقمي، واضطر بعض المديرين إلى تفويض صلاحياتهم لموظفين رقميين من خارج إداراتهم الفنية. وهناك الكثير من العاملين الذين لم يعودوا يعرفون إلى أي إدارة ينتمون بعد هذا الزلزال الرقمي الذي هز الهيكل التنظيمي للجهاز الإداري في الفروع وفي المركز.

وقد تسبب كل ذلك في فجوة واسعة بين من يمتلكون الخبرة المهنية العريقة ومن يمتلكون المهارات الرقمية الحديثة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إيجاد هيكلة جديدة لإدارة واستثمار رأس المال البشري الذي أخرجه التحول الرقمي عن مساره، ليس عن طريق تسريحهم والاستغناء عن خدماتهم، بل عن طريق تمكينهم من التعايش والتكيف مع أساليب العمل الجديدة، ومع الهيكل التنظيمي والإداري الجديد، بعقلية متفتحة وروح إنسانية وأخلاقية، وبما يخدم مصلحة العمل وأهدافه السامية.

لا يجوز بأي حال من الأحوال ترك الموظفين يتخبطون في الظلام، تائهين بين خبراتهم السابقة ومتطلبات العمل الرقمي المتغيرة. فمن مصلحة الوزارات أن تحافظ على اتجاهها الصحيح في الفروع، وألا تتسبب في إحراج الموظفين وجعلهم يتركون مكاتبهم بسبب عدم قدرتهم على خدمة المراجعين والإجابة على استفساراتهم.

يتعين على الوزارات أن تدرس بعناية الآثار السلبية المترتبة على إغلاق أي فرع من فروعها في أي منطقة من مناطق المملكة، وأن تضع في الاعتبار التداعيات الخطيرة لتسريح موظفي الفروع، قبل الإقدام على هذه الخطوة التي قد يراها البعض حلاً سهلاً لتقليص التكاليف.

إن تسريح موظفي فروع الوزارات وإغلاق بعض الفروع في المناطق النائية لتقليل عددها لا يخدم التنمية المستدامة بأي شكل من الأشكال. فليس من مصلحة التنمية أن تتفاقم مشكلة البطالة، خاصة في المناطق الطرفية التي هي في أمس الحاجة إلى خلق فرص عمل جديدة.

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة